«أختار الأودون أم السوبا؟»

في مطعم نودلز ياباني متواضع، تجمدت في مكاني 5 دقائق أمام قائمة خشبية كُتبت عليها الهيراغانا بخط سريع. كنت أشعر بضغط السكان الجائعين من خلفي، والعرق البارد يسيل على ظهري. لم أعرف سوى كلمتين: أودون وسوبا. فلماذا بدوت عاجزًا أمام هذا الخيار البسيط؟ كان يمكنني طلب أي شيء، لكن لعل كبريائي الصغير أبى أن أفشل في رحلة قطعت كل هذا الطريق من أجلها. وفي النهاية دفعني سؤال صاحب المطعم «دوتشيرا ني شيماسو كا؟»، أي أيهما تختار، إلى الإشارة عشوائيًا بإصبعي.

ولست وحدي في هذه التجربة؛ فالأودون والسوبا كلاهما من أطباق النودلز الوطنية في اليابان ومن الصعب أن يخيّبا التوقعات. يشبه الأمر حيرة الكوري بين جاجانغميون وجامبونغ في مطعم صيني. والسؤال ليس «أيهما ألذ؟»، بل «أي مذاق أحتاج الآن؟»

كانت تلك التجربة المحرجة هي سبب كتابة هذا المقال. فهو ليس مجرد شرح للفارق بين الأودون والسوبا، بل دليل نجاة عملي يجعل المسافرين في الموقف نفسه يطلبون كالسكان المحليين وبثقة، بلا تردد ولو لمدة 1 ثانية أمام القائمة.

الطقس ودرجة الحرارة

في يوم بارد، أتريد تدفئة معدتك بوجبة ساخنة؟ اختر الأودون.
في يوم حار فقدت فيه الشهية وتريد شيئًا باردًا ونظيف المذاق؟ اختر السوبا.

القوام المرغوب

أتريد نودلز سميكة ومطاطية تنساب في الفم؟ اختر الأودون.
أتريد قوامًا لينًا يتقطع بسهولة مع عبق الحنطة السوداء؟ اختر السوبا.

وجبة مريحة للمعدة

أتريد وجبة مشبعة تملأ معدتك جيدًا؟ اختر الأودون.
بعد الإفراط في الطعام أو في عشاء متأخر، أتريد وجبة خفيفة؟ اختر السوبا.

بالطبع هذه أبسط ثنائية ممكنة، لكن إن تذكرت هذه المعايير الثلاثة أمام القائمة فقد ينخفض وقت الاختيار من 5 دقائق إلى 5 ثوانٍ. ولكي تفهم سبب نجاح هذه القاعدة وتفك أيضًا كلمات القائمة الغامضة مثل «كاكي» و«زارو» و«كيتسونه»، ينبغي أن تبدأ بالفارق الجوهري بين الأودون والسوبا.


إذًا، ما الفارق بين الأودون والسوبا؟

ظاهريًا، كلاهما نودلز في مرق وقد يبدوان متشابهين.

لكن أساسهما مختلف تمامًا، كالفارق بين أرز أبيض لزج وأرز شعير ذي نكهة جوزية. يصنع الأودون من الدقيق، لذلك تكون خيوطه بيضاء وممتلئة، وتمتاز بمطاطية تملأ الفم. وكلما مضغتها ظهر مذاق حلو خفيف، كأنها راحة خالصة تمنحها الكربوهيدرات. أما السوبا فتصنع من الحنطة السوداء، ولونها رمادي داكن وقوامها المميز ينقطع بسهولة عند المضغ. وأفضل ما فيها رائحة الحنطة السوداء الغنية التي تنتشر في الفم؛ فإذا كان الأودون ككعكة أرز مطاطية، فالسوبا أقرب إلى أعشاب عطرة.

هناك نصيحة مفيدة عند اختيار السوبا: انتبه إلى «نسبة الحنطة السوداء». هل رأيت عند مدخل المطعم أو في طرف القائمة عبارتي «جوواري سوبا» أو «نيهاتشي سوبا»؟ الأولى نودلز مصنوعة من الحنطة السوداء بنسبة 100% بلا دقيق قمح، فتبلغ الرائحة ذروتها لكنها تتقطع بسهولة. أما الثانية فنسبتها 80% حنطة سوداء و20% دقيق قمح، ولذلك تنساب بلطف وتناسب المبتدئ. ونوع السوبا الذي يقدمه المطعم موضع اعتزاز لديه، لذا من الممتع التحقق منه.

ويختلف المرق أيضًا اختلافًا أساسيًا؛ فمذاقه يتباين بشدة بين مناطق اليابان. تستخدم منطقة كانتو حول طوكيو رقائق البونيتو وصلصة صويا داكنة، فيكون المرق قاتمًا ومالحًا حلوًا. أما كانساي حول أوساكا فتستخدم عشب الكومبو وصلصة صويا خفيفة، فيصبح المرق صافيًا شفافًا ويبرز مذاق المكونات الطبيعي. ليس الفرق في اللون فحسب، بل يكاد الطبقان يكونان مختلفين؛ فحتى «كيتسونه أودون» يمنحك مذاقًا قويًا ومشبعًا في طوكيو، وآخر رقيقًا ومريحًا في أوساكا.

هذه الخلفية تغيّر جودة الرحلة. فوفق بيانات وزارة الزراعة والغابات ومصايد الأسماك اليابانية، تتصدر محافظات فوكوي وناغانو وياماغاتا استهلاك السوبا لكل 1 شخص، لأنها مناطق جبلية باردة عُرفت منذ القدم بإنتاج حنطة سوداء جيدة. (المصدر: وزارة الزراعة والغابات ومصايد الأسماك اليابانية) وإذا زرت هذه المناطق في الخريف، فلا تفوّت «شين سوبا» المصنوعة من المحصول الجديد؛ ففي هذا الوقت من 1 سنة تكون الرائحة في أقواها. وبعد فهم أساس النودلز والمرق، حان وقت فك رموز القائمة.

راحة القوام المطاطي: الأودون

مكونه الأساسي دقيق القمح، وخيوطه سميكة وبيضاء. جوهره القوام النابض والمطاطي، ويؤكل غالبًا مع مرق ساخن.

مذاق نظيف يفوح بالحنطة السوداء: السوبا

مكونها الأساسي دقيق الحنطة السوداء، وخيوطها رفيعة رمادية بنية. تمتاز بقوام يتقطع بسهولة ورائحة غنية، وتحظى «زارو سوبا» الباردة المغموسة في تسويو بشعبية.

كيف لا تتجمد أمام القائمة

بعد فهم أساس النودلز والمرق، ننتقل إلى التطبيق. تقوم القائمة المعقدة ظاهريًا على تركيبات بسيطة جدًا؛ تعرّف فقط إلى بضعة أطباق أساسية، وسيتضح الباقي تلقائيًا.

أبسط طبق هو «كاكي»: نودلز وحدها في مرق صافٍ، أي الأودون أو السوبا الأساسية. ويتغير الاسم بحسب الإضافة فوق هذا الأساس؛ فإذا أضيف توفو مقلي مطهو بمذاق حلو صار كيتسونه، أي الثعلب، وإذا أضيف فتات التمبورا المقرمش صار تانوكي، أي كلب الراكون، وإذا أضيفت قطعة كبيرة من الروبيان أو الخضار المقلية صار تمبورا بهذه الطريقة. وإذا أضيف لحم بقري مطهو صار نيكو، أي اللحم، وإذا أضيفت كعكة أرز مشوية صار تشيكارا، أي القوة، وإذا كُسرت فوقه بيضة نيئة تشبه منظر القمر صار تسوكيمي، أي مشاهدة القمر. اتضحت الفكرة الآن، أليس كذلك؟ فالمنظومة ببساطة أن تختار «النودلز، أودون أو سوبا» أولًا ثم تختار «الإضافة» فوقها. ولذلك إذا طلبت طبقًا تكون إضافته هي العنصر الرئيسي، مثل التمبورا، يسألك الموظف طبيعيًا: «أودون ني شيماسو كا، سوبا ني شيماسو كا؟»، أي أتريده أودون أم سوبا؟

أطباق ساخنة

تؤكل مع مرق يتصاعد منه البخار. وينتمي إليها غالبًا ما سبق من كاكي وكيتسونه وتمبورا ونيكو، وهي مثالية ليوم بارد أو حين تحتاج وجبة مشبعة.

أطباق باردة

تُشطف النودلز بالماء البارد ثم تغمس في مرق تسويو منفصل، أو تصب فوقها صلصة باردة. إنها أفضل طريقة للاستمتاع بقوام النودلز ورائحتها، وتشتهر خصوصًا في أيام الصيف الحارة.

إذا زرت اليابان صيفًا فالسوبا الباردة ضرورة لا مجرد خيار. أشهرها «زارو سوبا»: توضع نودلز الحنطة السوداء المبردة على حصيرة خيزران وتغمس قليلًا في تسويو المالح قبل ارتشافها. ولتناولها كالسكان المحليين، لا تغمس الخيوط كلها، بل نحو 1/3 منها فقط، كي يتوازن مذاق التسويو ورائحة الحنطة السوداء. ولا تفرك البصل أو الفجل المبشور أو الوسابي وغيرها من التوابل في النودلز مباشرة؛ أذب قليلًا منها في التسويو لتستمتع بتغير المذاق.

وفي مطعم سوبا متخصص، لاحظ هل يقدمون «سوبا يو» قرب نهاية الوجبة. إنه ماء ساخن طُهيت فيه النودلز؛ صبه في ما تبقى من التسويو واشربه لتختتم الوجبة برائحة الحنطة السوداء. وهناك أودون بارد أيضًا، مثل «زارو أودون» و«بوكّاكي أودون» الذي يصب فوقه تسويو مركز ويخلط؛ جربهما إن أردت القوام المطاطي باردًا.

نصائح عملية للمسافر

بعد إتقان أساسيات الأودون والسوبا، خذ معك هذه الحيل الأخيرة للتطبيق. عندما يفرغ ذهنك داخل المطعم، ستنقذك.

  • إذا لم تعرف ماذا تختار، فاختر «التمبورا»: قلّما يكره الكوريون الروبيان المقلي. إنه رائع سواء تشرب المرق الساخن أو غُمّس في تسويو مالح. وإذا أردت الحفاظ على قرمشته حتى النهاية، فاطلب «بيتسو زارا دي أونيغاي شيماسو»، أي ضعه في طبق منفصل. لا يتاح ذلك في كل مطعم، لكن أماكن كثيرة تلبي الطلب. وتذكر أيضًا «كاكياغي»، وهو خليط خضار ومأكولات بحرية مفرومة ومقلية.
  • اطلب وفق الطقس وحالة جسمك: في حر الصيف تشتهر «زارو سوبا» الباردة و«بوكّاكي أودون»، وفي برد الشتاء يصبح وعاء «كاكي أودون» الساخن خير عزاء. لكنها ليست قاعدة مطلقة؛ قد تحتاج مرقًا دافئًا بعد إنهاك المكيف صيفًا، أو تفضل مطاطية النودلز الباردة داخل مكان دافئ شتاءً. الطقس مجرد عامل مساعد، والصواب اتباع الحرارة التي يريدها جسمك الآن.
  • اطلب من آلة تذاكر الطعام بلا ارتباك: تستخدم معظم مطاعم الوقوف قرب المحطات آلة تذاكر. ولا بأس إن كنت لا تعرف اليابانية؛ فالزر الأكبر والأبرز أعلى اليسار هو طبق المطعم الأشهر باحتمال 90%. أدخل المال أولًا واضغط الزر فتخرج التذكرة والباقي. وتوجد غالبًا أزرار منفصلة لحجم النودلز، عادي أو كبير، ولإضافات مثل البيض والمقليات. سلّم التذكرة للموظف عند جلوسك وينتهي الطلب ببساطة.
  • لا بأس بإصدار صوت عند الأكل: في كوريا يعد الأكل بهدوء أدبًا، أما في اليابان فارتشاف النودلز بصوت إشارة مرحة إلى الاستمتاع بها. ويقال إن سحب الهواء معها يزيد الإحساس برائحة النودلز والمرق. لا تجبر نفسك إن شعرت بالحرج، لكن لا ترتبك من الأصوات حولك؛ إنها تعني أنهم يتناولون وجبتهم بشهية.

واختيار المطعم نفسه جزء من متعة الرحلة. تمتاز مطاعم الوقوف على رصيف القطار أو زاوية الشارع بالرخص والسرعة، وتناسب من لا يملك وقتًا أو يريد رؤية إيقاع حياة الموظفين المحليين. أما إذا أردت الجلوس بهدوء وتذوق جودة النودلز وعمق التسويو، فابحث عن مطعم متخصص يحمل لافتة «تيوتشي»، أي نودلز مصنوعة يدويًا. سعره أعلى قليلًا، لكن متعة وعاء متقن تستحق.

الخلاصة: الإجابة في قلبك

في النهاية لا توجد إجابة صحيحة مطلقة بين الأودون والسوبا، فالأمر ذوق شخصي. اختر الأودون حين تريد قوامًا مطاطيًا ووجبة مشبعة، والسوبا حين تريد رائحة الحنطة السوداء الرقيقة ومذاقًا نظيفًا. المهم ألا تهوس باختيار كامل بلا خطأ؛ فالثقة أمام قائمة غريبة وطلب الطعام ثم إنهاء وعاء شهي جزء من متعة السفر. وفي رحلتك المقبلة إلى اليابان قل بلا تردد: «سوميماسن، أوسوسومي كوداساي!»، أي عذرًا، أعطني اقتراحك.

* يحظر قانون حقوق النشر النسخ أو إعادة النشر التجاري بلا إذن، وتُتخذ إجراءات قانونية صارمة عند المخالفة.